فجيعة أب
حين تتحول مهنة إنسانية صرفة إلى تجارة بضاعتها أرواح الناس ومصائرهم فذاك يعني أن الدنيا ليست بخير, وأن الضمائر أصبحت خاضعة للمساومة مقابل حفنة من الليرات .
وربّ سائل يسأل ما الباعث على هذا التشاؤم والسوداوية والاشمئزاز التي تنتاب صاحب هذه السطور ؟!
وما الذي دفعه لتوجيه هذه الاتهامات وما المقصود بها ؟!
ولهذا كان من الواجب عليّ أن أقصّ لكم الحكاية من البداية
المكان: مشفى الأطفال بدمشق والأصحّ (أكاديمية الموت)
الزمان:الأحد 29/6/2008م الساعة العاشرة مساء
الحدث: يقبل أحد الآباء ملهوفا يحمل وحيده فلذة كبده البالغ من العمر تسعة أيام قادما به على متن سيارة إسعاف من مدينة ديرالزور مصابا باشتباه التهاب سحايا خفيف ، فتتلقاه ملائكة الرحمة بلا رحمة وبأسلوب همجي وبعيد كل ابعد عن أبسط مبادئ الإنسانية وتتعامل مع الأب بكل جلافة وعدم اهتمام .
ونتيجة لاضطرار الأب ووضعه المادي الذي حال دون إيداع الأب في المشافي الخاصة التي طالبت بمبالغ طائلة وخيالية يعجز عن سدادها أصحاب الدخول العالية !!!! يُجبر على تقبّل الإهانات والتهكمات التي يتعرض لها حين الدخول إلى هذه الأكاديمية العتيدة ، وتطاول الأطباء وعدم اكتراثهم لمشاعر الأب وطريقة التعامل التي يقوم بها رجال الأمن !!!!
وبعيداً عن هذه الأحداث كلها نعود إلى حالة الطفل ( حمزة ) الذي دخل المشفى في حالة أقرب ما تكون إلى الطبيعية لأن الأطباء في بلده أكدوا أن حالته بسيطة ويمكن علاجها خلال أسبوعين .
لكن وضع المشفى السيئ جداً زاد من حالة الطفل ، فهل من المعقول أن تخلوأكاديمية بهذا الحجم وهذه السمعة من أجهزة الأكسجين الضرورية ومن المنافس التي يبلغ ثمن إيجارها اليومي في المشافي الخاصة أكثر من ثلاثة آلاف ليرة سورية لليوم الواحد ؟؟؟؟
وكيف للمواطن صاحب الدخل المحدود أن يؤمن هذه المبالغ الطائلة ؟
مما زاد الطين بلّة إجراء بزل للطفل دون فحصه والتأكد من أن حالته تتحمل هذا البزل ، مما عرضه للاختناق المباشر بعد البزل ، ووقف الأطباء متفرجين على الرضيع الذي يحاول التنفس جاهدأ دون جدوى ، مما دفع الأب المفجوع إلى سحب خرطوم الأكسجين من الجدار ووضعه على أنف طفله ليتمكن من التنفس عسى يعود إلى الحياة من جديد .
وما كان من الأطباء إلا أن قاموا بطرد أهل الطفل بطريقة لا تنّم إلا عن سوء الخلق وعدم الإحساس بمعاناة الناس ومشاعرهم .
في اليوم الثاني حضر الأب وأهل الطفل لرؤية وحيدهم فكانت الفاجعة والمأساة الكبرى بانتظارهم ، وهي أن الطفل تعرض لأزمة قلبية وتسرع بالقلب حيث بلغت سرعة نبضات القلب ( 240 ) نبضة بالدقيقة - كما زعموا- دون معرفة السبب ، مع أنه كان سليم القلب حين دخوله المشفى ، ولم يجد الأب جواباً شافياً لما حدث بل طلب منه إحضار أبر من أجل تنظيم ضربات القلب مع أن الواجب يستلزم أن تقوم المشفى بتأمين هذه الأبر في نفس الوقت الذي احتاج إليها الطفل ، أي قبل يوم ، وهذا ما تسبب بتدهور حالة الطفل كلياً .فهل من المعقول أن يقف الأطباء عاجزين عن تأمين هذه الأبر منتظرين أهل الطفل ليحضروها في اليوم الثاني رغم إدراكهم أن ذلك قد يتسبب في وفاة الطفل و إزهاق روحه0
وفي الساعة الثامنة مساء من نفس اليوم حظر الأب لزيارة وحيده ؛فكان الجواب الخالي من أي مشاعر إنسانية وبكل وقاحة (خذ طفلك من البراد)ولولا رحمة الله لأصيب الأب بالجنون لأن ما حدث لم يكن في الحسبان نتيجة لوضع الطفل الطبيعي الذي دخل به المشفى0
ورغم إيمان الأب بقضاء الله وقدره ؛وأن لكل أجل كتابا وأن لكل وفاة سببا ؛ويقين الأب أن الكادر الطبي في أكاديمية الأطفال هو من تسبب في الوفاة نتيجة تقاعسه عن أداء واجبه المقدس؛ولأن الأب استفسر من أكبر أطباء العاصمة عن سبب التسرع الذي أصاب قلب الطفل فكان الجواب إعطاءه جرعة كالسيوم قوية ومضاعفة وانتظار الأهل ليجلبوا أبر تنظيم ضربات القلب في اليوم الثاني0
فهل من المعقول أن تخلو مؤسسة حكومية مسؤولة عن أرواح الناس من هذه الأدوية الضرورية ؟! ومن المعروف أن حكومتنا لا تألو جهدا في توفير مستلزمات المشافي العامة واحتياجاتها بكل سخاء ؛ أم أن القائمين على هذه المشفى يتصرفون بها حسب الواسطة وأسباب أخرى لا تخفى على أحد0
وحرصا منا على عدم تكرار هذه المأساة التي حدثت في هذه المؤسسة الطبية التي تعد من أضخم مشافي سورية نتمنى من المسؤولين عدم التغاضي عن محاسبة المتسببين في إزهاق روح طفل بريء لا ذنب له سوى أنه وقع بين أياد اّثمه لاتعرف الرحمة طريقا الى قلوبهم وصموا اّذانهم لقول الله عز وجل في كتابه العزيز (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا )0
وكلنا أمل ألا تضيع هذه الكلمات أدراج الرياح وأن ينظر إليها بعين الرقابة والمحاسبة والأخذ على يد الظالم لكيلا يتمادى في ظلمه والله من وراء القصد0